مأساة حريق مصنع الزاوية الحمراء.. قصة نجاة ومعاناة خلف الجدران المغلقة
لم يكن حريق مصنع الزاوية الحمراء مجرد حادث عابر، بل مأساة إنسانية كشفت عن واقع قاسٍ تعيشه بعض الفتيات العاملات في بيئات تفتقر لأبسط معايير الأمان، ففي صباح ذلك اليوم المشؤوم كانت الشابة “بسنت أحمد” تستعد للذهاب إلى عملها كالمعتاد داخل أحد مصانع الأحذية بمنطقة الزاوية الحمراء في القاهرة رغم اعتراض والدها المستمر على عملها هناك.
لكن القدر كان له رأي آخر إذ غلبها النوم في ذلك الصباح لتفوتها اللحظة التي غيرت حياة زميلاتها إلى الأبد، واستيقظت “بسنت” لاحقًا على اتصالات متتالية تحمل أخبارًا مفجعة عن وفاة صديقاتها داخل المصنع إثر حريق مروع لتجد نفسها الناجية الوحيدة من بينهم.
حريق مصنع الزاوية الحمراء
داخل المصنع لم تكن الظروف طبيعية أو آمنة، حيث تصف “بسنت” المكان بأنه بلا اسم أو لافتة واضحة وكأنه يعمل في الخفاء ولم تتوفر وسائل السلامة الأساسية مثل طفايات الحريق، كما كانت النوافذ محاطة بحواجز حديدية مرتفعة ومغلقة مما جعل الهروب مستحيلًا عند اندلاع النيران.
وتؤكد أن الفتيات كن يعملن لساعات طويلة تصل إلى 12 ساعة يوميًا مقابل أجر زهيد لا يتجاوز 100 جنيه ويتم اقتطاع مصاريف الطعام والمواصلات منه، كما أن الغياب ليوم واحد كان يقابل بخصم يومين في نظام عمل وصفته بأنه أقرب للاستغلال القاسي.
أحلام بسيطة انتهت في لحظة
لم تكن الضحايا مجرد أرقام بل فتيات لديهم أحلام بسيطة وطموحات صغيرة، ومن بينهن “عواطف” التي كانت تستعد لعقد قرانها بعد أيام قليلة و”روان” المخطوبة، و”نورهان” التي جاءت للعمل في ذلك اليوم لتوفير مصاريف ملابس العيد، وكل واحدة منهن كانت تسعى لحياة أفضل لكن الحريق أنهى كل تلك الأحلام في لحظات ليترك خلفه حزنًا عميقًا في قلوب أسرهم.
تحذيرات سابقة وإهمال متكرر
تكشف “بسنت” أن الحادث لم يكن مفاجئًا بالكامل بل سبقه العديد من المؤشرات الخطيرة، فقد لاحظت بنفسها وجود أسلاك كهربائية مكشوفة تصدر شرارات خاصة في طابق يحتوي على مواد سريعة الاشتعال وعندما حاولت الإبلاغ لم تجد استجابة جدية.
كما أشارت إلى أن إحدى الضحايا اشتكت مرارًا من تعرضها لصدمات كهربائية من إحدى الآلات لكن دون أي تدخل فعلي لإصلاح المشكلة، وكان هذا الإهمال المستمر بمثابة قنبلة موقوتة انتهت بكارثة مأساوية.
القهر والصمت داخل جدران المصنع
لم يكن الخطر فقط في بيئة العمل بل أيضًا في أسلوب الإدارة، وتوضح “بسنت” أن المشرفة كانت تمنع أي محاولة للشكوى وتفرض سيطرتها الكاملة على العاملات، مما أجبرهن على الصمت خوفًا من فقدان مصدر رزقهم، وتضيف أن الفتيات كن قد اتفقوا بالفعل على ترك العمل لكن الحريق سبق قرارهم وحرمهن من فرصة النجاة.
النهاية المؤلمة ومطلب العدالة
تختتم “بسنت” شهادتها بمطالبة صريحة بتحقيق العدالة لصديقاتها اللاتي فقدن حياتهم بسبب الإهمال وانعدام الأمان، فالمأساة لم تكن مجرد حادث بل نتيجة تراكمات من التجاهل وسوء الإدارة، وتبقى قصة حريق مصنع الزاوية الحمراء شاهدًا مؤلمًا على ضرورة تحسين ظروف العمل وتطبيق إجراءات السلامة بصرامة، حتى لا تتكرر مثل هذه الكوارث مرة أخرى.



